الذهبي
128
سير أعلام النبلاء
وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه ، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء ، وإما قد ولدوا في الشام على حبه ، وتربى أولادهم على ذلك . وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة ، وعدد كثير من التابعين والفضلاء ، وحاربوا معه أهل العراق ، ونشأوا على النصب ، نعوذ بالله من الهوى . كما قد نشأ جيش علي رضي الله عنه ، ورعيته - إلا الخوارج منهم - على حبه والقيام معه ، وبغض من بغى عليه والتبري منهم ، وغلا خلق منهم ( 1 ) في التشيع . فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم ، لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب ، مفرطا في البغض ، ومن أين يقع له الانصاف والاعتدال ؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق ، واتضح من الطرفين ، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين ، وتبصرنا ، فعذرنا ، واستغفرنا ، وأحببنا باقتصاد ، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة ، أو بخطأ إن شاء الله مغفور ، وقلنا كما علمنا الله ( ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) ( الحشر : 10 ) وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين ، كسعد بن أبي وقاص ، وابن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، وسعيد بن زيد ، وخلق . وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا ، وكفروا الفريقين . فالخوارج كلاب النار ، قد مرقوا من الدين ، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار ، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان . فمن الأباطيل المختلفة : عن واثلة مرفوعا : " كاد معاوية أن يبعث نبيا من حلمه وائتمانه على كلام ربي " .
--> ( 1 ) من قوله : " منهم على حبه " إلى هنا سقط من المطبوع .